2-
لا أعرف كيف ولا
متى تعلّمت هدية أن تقرأ في عيوني الحزن حتى وأنا أبتسم ، وكيف تفضحني حين أخفي
عنها سرا أو مفاجأة ، ولا كيف تعلمَت هذا الوفاء والرقة حينما تتذكر أمي وتبكي
بحرقة وبصوت مرتفع ولسان حالها يقول لي - أنت لن تستطيع أن تعوضني حنانها مهما
فعلت ، لا أعرف متى تكونت شخصيتها بهذه القوة وهي تأمرني بحسم ألا أكرر لبس قميص
كنت قد لبسته أمس وأن أشرب قهوتي مرتين في اليوم على الأكثر ورفضها لتدليلي حين
أناديها ديدي فتقول
- لا أحب ديدي بل
نادني هدية كما كانت تناديني أمي . كانت هدية تناديني باسمي مجردا كما كانت
تناديني أمي ويناديني أخي ، والذي كان ينهرني ويدعوني لأن أتزوج وقد بلغت الخامسة
والعشرين لكنني كنت مكتفيا بتلك السعادة التي تدغدغ روحي وأنا أعيش في تلك الطقوس
مع هدية وفرحتي بفرحتها حين أحقق لها رغبة ما أو أصحبها لشراء ملابس العيد أو
ملابس الشتاء وملابس الصيف ، تلك الأشياء الصغيرة التي كبرت معي كلما كبرت هدية
وارتسمت داخلي بتفاصيلها . مرت الأعوام وكبرت هدية وبدأت أنوثتها التي تفجرت مبكرا
تزداد نضجا وبدأت ملامحها تزداد رقة وعذوبة وجاذبية كما بدأت في وضع المساحيق
والانعزال عني بخصوصياتها وعدم الظهور أمامي بملابس خفيفة ، ولن أنسى ذلك الشعور
الذي اجتاحني فجأة وهي تعانقني بعمق معبرة عن فرحتها بنتيجة الإعدادية (حيث كانت
الأولى على المحافظة ) .. لم يتوقف الأمر
عند كوني فخورا بها ولكن للمرة الأولى أشعر بهدية الأنثى مكتملة التفاصيل حيث
أشعلتني دغدغة نهديها داخل صدري وليونة جسدها ومزيج العطور المنتشر ما بين جلدها
وشعرها وتلك الرائحة الأنثوية المنسابة من مسام جسدها إلى روحي ، للمرة الأولى
انتابتني نشوة احتضان أنثى وأدخلتني إلى عالم كنت غائبا عنه وكأني غريب تأخذني هذه
الملكة الصغيرة إلى مملكتها . ترى هل كانت تدرك هدية ما يمكن أن يفعله هذا الحضن
بي ؟ أم كانت تتصرف بطبيعتها غير مبالية بما خلفته من مشاعر حيالها ؟ يقينا منذ
هذه اللحظة تغيرت حالتي تجاه هدية وصرت أراها بعين مراهق
كهل في الخامسة
والثلاثين . تعلقتُ بالبيت أكثر وقضاء أطول وقت مع هدية وقد صارت متعتي في تلبية
كل رغباتها ورؤية السعادة والرضا في عينيها الساحرتين غير أن متعة أخرى كنت
أمارسها سرا حين تتلصص عيني على مواضع الإثارة فكم كان يشعلني ذلك العرق الأزرق
النافر قليلا على استدارة نهدها الأيسر ، كثيرا ما كنت أنتظر أن تنحني لأي سبب حتى
أرى أكبر جزء من نهدها ، كثيرا ما كنت أتحرى ملامسة جسدي لجسدها مفتعلا صدفة ، وكم
تمنيت أن تواتيني الجرأة لأكرر ما فعلت يوم أن أهديتها قرطا وقررت أن ألبسه لها ،
ثم وضعت يديّ على خديها الذَين ازدادا امتلاءً ورقة ونعومة وسحرا ونظرت لعينيها
مهنّئا ، ساعتها تركَتْني أفعل ذلك دون ردة فعل منها ولكن لم أستطع الإجابة عن
أسئلة كثيرة دارت في ذهني .. ترى هل تشعر هدية بما أشعر به ؟ أم هي تتصرف معي بنفس
مشاعرها تجاه الأب أو الأخ ؟
مرت السنة
الدراسية الأولى بالصف الثانوي ولم تزل هدية متفوقة في دراستها بينما نضجها العقلي
يسبق عمرها فتضاعف تعلقي بها حتى كدت أشعر بالدونية حيال هذا التكوين المكتمل حتى
عند لجوئها لي لتسألني في شرح بعض المسائل الدراسية أو الحياتية كان يداخلني شك في
أنها تفعل ذلك فقط لتشعرني بأهمية وجودي في حياتها . المفاجأة الكبرى والتي لم أكن
أتوقعها كانت حين اتصل بي جار لنا في الشارع طالبا مني تحديد موعد لخطب هدية لابنه
، ورغم رفضي واستهانتي بحديثه التي لم أشأ أن أخفيها خاصة وهو يتحدث بثقة بلهاء عن
قراره بأن تكتفي هدية بالثانوية العامة ، غير أني أفقت على احتمال أن تفارقني هدية
وتتزوج ، كما أفقت على حقيقة ألقت بي إلى بقعة مظلمة من هذا العالم وهي رؤية الناس
لي على أني ولي أمر هدية فهم يطلبونها مني .. آه ما أقسى هذا الشعور الذي ظل
يحاصرني لأسابيع لولا أن هدية كانت طوال الوقت تجعلني في منطقة الشك في أنها ربما
كانت تبادلني شعورا ما ، بل كنت أحاول إقناع نفسي بأن فارق العمر الكبير لا يقف
حائلا دون المشاعر .
مرت سنوات الثانوية العامة والتحقت هدية بكلية
الآداب قسم اللغة الإنجليزية كما كانت ترغب ، كنت خلال هذه السنوات قد رفضت عدة
طلبات للزواج من هدية بينما تلك الغصة تعاودني في كل مرة يتقدم أحد الشباب لخطبتها
، كما يحرقني الشك في أنها واقعة في شرك الحب مع أحدهم . قررت في
موقف ما مواجهتها
بعدما صرت مطمئنا لرجاحة عقلها وحسن اختيارها وأني لم أعد صاحب الرأي الوحيد في
تحديد هذا المصير الأهم في حياتها خاصة وأنها كبرت وأصبحت مهيأة لإدارة بيت وأسرة
وحياة . كانت تعتمل داخلي عدة أفكار فلو لم تكن هدية تحمل شعورا لي ولا لغيري
فيقينا سوف تفرح كأي بنت بطلب العرسان لها وفستان الفرح والاستقلالية ، أو إذا
كانت تحمل شعورا لأحد فيقينا سوف تختاره من بين المتقدمين ، آه كل الأفكار تؤدي بي
إلى نفس النهاية وهي أن هدية ستفارقني وتتركني . قررت مصارحة هدية في فكرة الزواج
دون تسمية أحد من الذين تقدموا لخطبتها ..
- هدية
- نعم يا أحمد
- أريد أن أحدثك في أمر كنت قد أخفيته عنك حتى تلتفتي لدراستك
ومستقبلك ولكنكِ الآن كبرتِ وتحدد مصيرك باختيارك للكلية التي ستتخرجين منها وصار
من حقك اتخاذ القرار الأهم
- طبعا يا أحمد تحدد مصيري حيث سأحصل إن شاء الله على الكلية وأصبح
واحدة في طابور العاطلين وأظل عبئا عليك بقية حياتي ، ولكن ما هو القرار الأهم الذي
تريد مناقشتي فيه ؟
- هههههه هناك عدة أشخاص تقدموا بطلب الزواج منك .. وقبل أن أكمل
قالت لي
- أعرف
- تعرفين ! كيف عرفت ؟
- هناك الكثير من العصافير
- إذن أخبريني كيف أجيب شخصا مناسبا ؟ هل أنت موافقة على فكرة
الزواج؟
- طبعا موافقة جدا .. صعقتني إجابتها حتى كدت أرى الكون ضبابا
وتلعثمْتُ وارتبكَت الحروف على شفتي وقد فشل جهدي الكبير في إخفاء اضطرابي
- إذن يبدو لي أن شخصا ما في حياتك
- نعم هناك شخص في حياتي ، فازداد اضطرابي وخارت روحي وكادت
تفارقني
- ماذا تقولين ؟ من هو ومنذ متى ؟ فجاءني صوتها كملاك تنزّل بالعدل
والمحبة والسلام
- منذ أن كنتُ رضيعة وكبرت بين يديه ، منحني الحياة وبذل من أجل
سعادتي أقصى وسعه ، كان لي الأمان والسند والاحتواء ، لقد حرم نفسه متعة الزواج والاستقرار
حرصا منه على أن أكون وحدي في حياته وألا تشاركني فيه أمرأة يقينا كانت ستقاتل
لتسلبني مساحتي داخله ، مساحتى التي صارت مع مرور السنوات حبا كإعصار جارف أشعر به
يحملني إلى ذروة عالمه الأسمى . تعتقد أنت أن هناك رجلا يملك كل هذا الثراء وهذا
العطاء أقارنه في حياتي برجل آخر ؟ إن حياتي ارتبطت بحياته وأحببت طباعه ومفردات
يومنا سويا فعاهدت نفسي أن أعوضه عن كل ما حرّمه على نفسه وأن أهديه ما أهداني من
حب وذلك أقل ما يمكن أن أقدمه له ، هو الوحيد الذي يستحقني .. هذا إن كان يريدني
..
- للمرة الأولى لا أجد حرجا في أن أطلق العنان لكل شيء داخلي فتركْتُني
أجد النشوة في إعادة سؤالها عما تقول وعمن تقصد .. هدية هل فكرت في كل ما قلتِ وعن
قناعة ؟ هل ذلك بالفعل ما ترسخ في وجدانك ؟
- بالتأكيد يا أحمد أنا مؤمنة بما أقول وواثقة بقراري واختياري
- أرجوك أن تعيدي التفكير في الأمر من كل الوجوه .. خذي فرصتك ولا
تتعجلي فالوقت أمامك متسع
- وهل سنوات عمري كلها لم تكن كافية ، لقد جعلت بحبك ورعايتك إيماني
بك يتأكد وتمسكي بك يزداد ، والسؤال الآن هل تريدني لأكمل معك مشوار حياتك ؟
- بل إن حياتي بدونك لا تكتمل
- لماذا إذن لم تقل لي من قبل أحبكِ ؟!
- لأنك لو لم تحبيني فسوف يمنعك أدبك ورقتك وحياؤك من صدّي ورفض
مشاعري ، ولنفس الأسباب التي قلتِ أنت الآن عليها أنا لم أستطع مصارحتك .. وبينما
أحدثها وضعت هدية رأسها داخل صدري برقة ونعومة كقطة مسالمة وديعة فرحت أداعب خصلات
شعرها ، للمرة الأولى أضم هدية دون خوف من أن يفتضح أمر القلب ، كان شعورا جديدا
ومختلفا ذلك اليقين بأن هدية صارت ملكا لي جسدا وروحا ، بل ولم أجد ما يمنعني من
أن أضم شفتيها بين شفتي طويلا والدخول معها إلى عالم آخر لا نريد الخروج معه ونحن
نمعن في عفوية التقبيل والأحضان ، لاحظت ولا أعرف لماذا أن هدية حين أقبل خديها
تحاول دفعي عنها برفق وعندما أقبل شفتيها تذوب وتستسلم حتى وجدت ذلك سبيلا لعدم
الخروج من اللحظة فكنت كلما حاولَت دفعي قبلت شفتيها فتعود مستسلمة ، ولا أعرف
لماذا كانت تستفيق كلما انتابتها رعشة من آن لآخر طوال ساعة أو أكثر ولكن سرعان ما
تعود أكثر انسجاما واستسلاما ، ترى هل كان نفس سبب رعشتي الممتزجة بالنشوة والتي
أفقت بعدها بلا عودة ؟
كم
كنت سعيدا وحالِماً ومفتقدا طوال الوقت لكلمة أحبك من شفتي هدية ، كنت أحب تكرارها
وأنا أنظر في عينيها ، غير أني كنت أطارد عدة هواجس من تلك التي تصنع الحواجز في
النفس ، فمرة أشعر أنها كثيرة عليّ ومرة أفكر في أنها مراهقة الفتاة في هذا العمر
ومرة أحتمل أنها تحاول مكافأتي على ما قدمت لها ، هواجس مزعجة تحاصرني معظم الوقت
وتسيطر على تفكيري ولا
تذهب
إلا حين أجلس مع هدية وتحتويني بعذب حديثها ورقة مشاعرها . كنا قد قررنا الزواج
وقد اتفقنا على إعلان كل شيء بعد تجاوزها السنة الثانية من الكلية لنكون قد جهّزنا
البيت بأثاث جديد وقد كانت تلك رغبتنا المشتركة .
تعليقات
إرسال تعليق